حبيب الله الهاشمي الخوئي

45

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وقد فسرت الظلمات في الأخبار بخلافات الثلاثة ، ثم أشار عليه السّلام إلى طول مدة هذه الطخية بأنّه ( يهرم فيها الكبير ) أي يبلغ أقصى الكبر ( ويشيب فيها الصّغير ) أي يبيضّ رأسه ويحتمل أن يراد بهما المجاز والتوسع بمعنى أنّ أيام اغتصاب الخلافة لشدّة صعوبتها وكثرة أهوالها يكاد أن يهرم الكبير فيها ويشيب الصّغير قال تعالى : * ( « يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً » ) * ( ويكدح فيها مؤمن ) أي يسعى المؤمن المجتهد في الذّبّ عن الحقّ والأمر بالمعروف ويكدّ ويقاسي الأحزان والشدائد ( حتّى ) يموت و ( يلقى ربّه ) ثمّ إنّه عليه السّلام لما ذكر تردّده بين الصّبر والقتال أشار إلى ترجيحه الأوّل على الثاني بقوله : ( فرأيت أن الصّبر على هاتا أحجى ) أي أليق وأصلح وأجدر ، أو أقرب بالحجا والعقل ، وذلك لأن ترك الخلق على الضلالة والجهالة وإبقائهم على الغيّ والغفلة إنّما يقبح مع الاستطاعة والقدرة ويلزم معهما ردعهم عن الباطل ونهيم عن المنكر وإرجاعهم إلى الصّراط المستقيم والنّهج القويم ولو بالقتال والصّيال ، وأمّا مع عدم التمكن والقدرة من حيث عدم المعاون والنّاصر فلا يلزم شيء من ذلك ، بل يجب التّحمل والصّبر حذرا من إلقاء النّفس على الهلاكة وتعريضها على العطب واستيصال آل محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم سيّما وأنّ مقصوده عليه السّلام من الخلافة لم يكن إلَّا هداية الأنام وإعلاء كلمة الإسلام وإثارة الحرب والجدال إذا كانت موجبة لاضطراب نظام المسلمين ، بل مؤدّية إلى رجوع النّاس إلى أعقابهم القهقرى واضمحلال كلمة الاسلام لغلبة الأعداء فلا يحكم العقل حينئذ إلَّا بالكفّ عن الجهاد والصّبر على البلاء والتحمل على الأذى كيلا يلزم ضدّ المقصود ولا نقض الغرض ( فصبرت ) والحال إنّ ( في العين قذى ) يوجب أذيتها كما يصبر الرّجل الأرمد ( وفي الحلق شجى ) اعترض فيه كما بصبر المكابد للخنق ، والجملتان كنايتان عن شدّة تأذيه بسبب اغتصاب ما يرى أنّه أولى به من غيره ( أرى تراثي ) وفي بعض الرّوايات تراث محمّد وآله ( نهبا ) أي سلبا وغارة والمراد بتراثه المنهوب المسلوب إمّا فدك الذي خلَّفه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم